الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

275

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وفي الْمَدِينَةِ متعلق ب كانَ ظرفا لغوا ولا يحسن جعل الجملة استئنافا لأنها المقصود من القصة والمعنى : قال بعضهم لبعض . و تَقاسَمُوا فعل أمر ، أي قال بعضهم : تقاسموا ، أي ابتدأ بعضهم فقال : تقاسموا . وهو يريد شمول نفسه إذ لا يأمرهم بذلك إلا وهو يريد المشاركة معهم في المقسم عليه كما دل عليه قوله : لَنُبَيِّتَنَّهُ . فلما قال ذلك بعضهم توافقوا عليه وأعادوه فصار جميعهم قائلا ذلك فلذلك أسند القول إلى التسعة . والقسم باللّه يدل على أنهم كانوا يعترفون باللّه ولكنهم يشركون به الآلهة كما تقدم في قصصهم فيما مرّ من السور . و لَنُبَيِّتَنَّهُ جواب القسم ، والضمير عائد إلى صالح . والتبييت والبيات : مباغتة العدوّ ليلا . وعكسه التصبيح : الغارة في الصباح ، وكان شأن الغارات عند العرب أن تكون في الصباح ، ولذلك يقول من ينذر قوما بحلول العدوّ : « يا صباحاه » ، فالتبييت لا يكون إلا لقصد غدر . والمعنى : أنهم يغيرون على بيته ليلا فيقتلونه وأهله غدرا من حيث لا يعرف قاتله ثم ينكرون أن يكونوا هم قتلوهم ولا شهدوا مقتلهم . والمهلك : مصدر ميمي من أهلك الرباعي ، أي شهدنا إهلاك من أهلكهم . وقولهم : وَإِنَّا لَصادِقُونَ هو من جملة ما هيّئوا أن يقولوه فهو عطف على ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أي ونؤكد إنّا لصادقون . ولم يذكروا أنهم يحلفون على أنهم صادقون . وقرأ الجمهور : لَنُبَيِّتَنَّهُ بنون الجماعة وفتح التاء التي قبل نون التوكيد . وقرأه حمزة والكسائي وخلف بتاء الخطاب في أوله وبضم التاء الأصلية قبل نون التوكيد . وذلك على تقدير : أمر بعضهم لبعض . وهكذا قرأ الجمهور لَنَقُولَنَّ بنون الجماعة في أوله وفتح اللام . وقرأه حمزة والكسائي وخلف بتاء الخطاب وبضم اللام . وقرأ الجمهور : مَهْلِكَ بضم الميم وفتح اللام وهو مصدر الإهلاك أو مكانه أو زمانه . وقرأه حفص بفتح الميم وكسر اللام ويحتمل المصدر والمكان والزمان . وقرأ أبو بكر عن عاصم بفتح الميم وفتح اللام فهو مصدر لا غير . ووليّ صالح هم أقرب القوم له إذا راموا الأخذ بثأره . وهذا الجزء من قصة ثمود لم يذكر في غير هذه السورة . وأحسب أن سبب ذكره أن نزول هذه السورة كان في وقت تآمر فيه المشركون على الإيقاع بالنبيء صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو التآمر